مجموعة رقم 1_حين يصبح الطين متحفًا للضوء

حين يصبح الطين متحفًا للضوء




ملك محيي - مريهان محمد - اسماء صبري - اسماء عصام - رحاب سند - أحمد رأفت - مريم خالد 

مقدمة

يُعَدّ الضوء أحد العناصر غير المادية الأساسية في العمارة، لما يمتلكه من قدرة على تشكيل الفراغ المعماري والتأثير في إدراك الإنسان له على المستويين الحسي والنفسي. ومع تطور الفكر المعماري، ولا سيّما في تصميم المتاحف، لم يعد الضوء مجرد أداة وظيفية للرؤية، بل أصبح وسيطًا تعبيريًا يسهم في بناء التجربة المكانية وتعزيز البعد الجمالي للفراغ.

في السياق المتحفي، يؤدي الضوء دورًا محوريًا في توجيه حركة الزائر، وإبراز المعروضات، وتنظيم الإيقاع البصري داخل قاعات العرض. ويسهم التحكم في شدة الضوء واتجاهه وخصائصه في خلق تفاعل بصري متوازن بين العمل الفني والفراغ المعماري، بما يدعم السرد المكاني ويعزز القيمة الثقافية للعرض المتحفي.

يناقش هذا المقال مفهوم شاعرية الضوء في المتاحف، مع التركيز على دوره كعنصر تصميمي تعبيري، من خلال تحليل عدد من الاستراتيجيات المعمارية لتوظيف الضوء الطبيعي، وتطبيقها على متحف حبيب جورجي، بما يحقق تجربة حسية متكاملة تحافظ على القيمة الفنية والتاريخية للمتحف.

استراتيجيات تشكيل شاعرية الضوء في فضاءات العرض المتحفي

يطرح المقال التساؤل التالي: إلى أي مدى يمكن للاستراتيجيات المعمارية للتحكم في الضوء الطبيعي داخل الفراغات المتحفية أن تسهم في تحقيق شاعرية الضوء؟

تشمل هذه الاستراتيجيات ما يلي: ١) فلترة الضوء، ٢) ستائر الضوء، ٣) أرفف الضوء، ٤) التناقض الضوئي، ٥) نوافذ السماء، ٦) حنايا الضوء.

١. فلترة الضوء

(Light Filtration)

تعتمد استراتيجية فلترة الضوء على تمرير الضوء الطبيعي عبر عناصر معمارية شبه منفذة، مثل الشبكات أو الطبقات أو القباب المثقبة، بما يؤدي إلى إعادة تشكيله قبل دخوله الفراغ المتحفي. ينتج عن ذلك ضوء متدرج تتخلله ظلال متحركة تتغير مع الزمن، ما يضفي بعدًا ديناميكيًا على التجربة المكانية.

ويُعَدّ متحف اللوفر أبوظبي، من تصميم المعماري جان نوفيل، مثالًا بارزًا على هذه الاستراتيجية، حيث تعمل القبة المعدنية بوصفها مرشحًا ضوئيًا ضخمًا يسمح بمرور الضوء عبر فتحات محسوبة بعناية، مولّدًا تأثيرًا بصريًا يُعرف بـ«مطر الضوء»، كما هو موضح في شكل (١).



 (١)شكل
²فلترة قبة متحف اللوفر للضوء الساقط عليها 

٢.ستائر الضوء 

(Light Curtains)

 في هذه الاستراتيجية يدخل الضوء كطبقة ناعمة وممتدة، أشبه بستارة شفافة تنسدل داخل الفراغ المتحفي
 حيث يتحول الضوء إلى ضباب خفيف يخفف حدة الظلال، ويخلق إحساسًا بالتلاشي والعمق
 الشعرية هنا تأتي من غياب المصدر الواضح للضوء، ومن انسياب طبقة مضيئة تربط الفراغ ببعضه
من خلال هذه الاستراتيجية تم تصميم فتحات الإضاءة في متحف كياساما في فنلندا من قبل المعماري ستيفن هول حيث تم تصميم فتحات جانبيه ( شكل ٢) لتعمل علي ادخال الضوء بطريقة ناعمة وسلسة تمتد علي الجدران المنحنية لتعطي احساس بأنها ستائر ضوئية ممتده علي طول الجدار كما في شكل  (٣)-(٤)
وقد تم استغلال استراتيجيه ستائر الضوء في المتحف بحيث يتحول الضوء إلى تجربة شعورية خالصة؛ فهو لا يكتفي بإنارة الفراغ، بل ينزلق على الحوائط المنحنية ويغيّر ملامحه مع كل خطوة، ليخلق حالة هادئة ودافئة يشعر معها الزائر بأن المبنى يتفاعل معه ويتبدّل أمامه ( شكل ٥ )، وكأن الضوء نفسه ينسج حوارًا بصريًا مستمرًا 





شكل(٢) تصميم الحائط المنحني الذي ينتشر عليه الضوء³


شكل(٣)
انتشار فوتونات الضوء داخل الفراغ ³

شكل (٤)
امتداد فوتونات الضوء على الحائط المنحني ³

شكل(٥)
امتداد الضوء على طول الحائط كستائر ضوئية³

٣.أرفف الضوء

 (Light Shelves)

تعتمد استراتيجية أرفف الضوء على استقبال الضوء الطبيعي القادم من الخارج وإعادة توجيهه عبر أسطح أفقية عاكسة، بحيث ينكسر مساره ويدخل إلى الفراغ الداخلي في صورة ضوء غير مباشر. ويؤدي هذا التحول إلى تشكيل إضاءة هادئة ومتدرجة، بما يعزز شاعرية الضوء ويمنح التحف والمعروضات حضورًا بصريًا أكثر عمقًا وهدوءًا.
يستخدم متحف كيمبل ارت في اميركا و الذي تم تصميمه من قبل المعماري لويس خان أرفف الضوء ( شكل٧) لإعادة توجيه الإضاءة الطبيعية نحو الأسقف الداخلية، مما يسمح بانتشارها في الفراغ بشكل ناعم ومتجانس بعيدًا عن الوهج المباشر. ويؤدي هذا النظام إلى خلق بيئة عرض مريحة تُبرز الأعمال الفنية بوضوح واستقرار بصري (شكل ٦ ) .


شكل (٦)
 تأثير انعكاس الضوء على الأرفف الضوئية ⁴

شكل (٧)
طريقة انعكاس الضوء على أرفف الضوء⁴

٤.التناقض الضوئي 

(Contrast)


يُستخدم الضوء هنا لإبراز العلاقة بين العتمة والإنارة، حيث تعمل الظلال كجزء أساسي من التكوين. الشعرية تتولد من هذا التوتر بين المضيء والمظلم، ومن الطابع الدرامي الذي يكشف عن عمق المادة ويُعيد تشكيل حضور المعروضات ويعتمد فى ذلك على فتحات صغيرة فى سطح يحيط به الظلام فيتحقق هذا التناقض.
كما فى متحف تشيتشو في اليابان المصمم من قبل المعماري تادو اندوحيث تم استخدام الظل والنور في المساحات المختلفه عن طريق التحكم في فتحات الضوء و طريقه دخوله للفراغ ليعطي علاقة تباين وتناقض واضحة كما في شكل (٨ )


شكل (٨) استخدام استراتيجية التناقض الضوئي في متحف تشيتشو ⁵

 ٥.نوافذ السماء 

(Skylight Openings)

على النقيض من الاستراتيجية السابقة تعتمد هذه الاستراتيجية على إدخال الضوء من أعلى ليصبح الضوء السماوي هو المكوّن الأساسي للتجربة المتحفية. يكتسب الضوء هنا طابعًا روحانيًا لأنه يأتي من اتجاه غير معتاد، فتبدو الإضاءة نقية وهادئة وتُضفي على الفراغ إحساسًا بالصفاء.
يصل الضوء دون تشويش بصري، ليتفاعل مباشرة مع الأسطح ويعيد نحتها مع تغيّر الزمن، فتتحول الجدران والأرضيات إلى صفحات يكتب عليها الضوء سردًا متغيرًا طوال اليوم، في إيقاع يتناغم مع حركة الشمس، حيث يتحوّل إلى مِزولة تُعبّر عن مرور الزمن داخل الفراغ.
كما في متحف تشيتشو باليابان حيث تم استخدام استراتيجيه النوافذ السمائية المفتوحة باحجام مختلفه علي افنية او فراغات المتحف ( شكل ٩،١١ ) لاعطاء طابع هاديء وروحاني وتوزيع الاضاءة علي الفراغات بطريقه مباشرة واعطاء احساس الاتصال مع الخارج ( شكل ١٠ )



شكل (٩) 
نوافذ سمائية مفتوحة على الأفنية لإضاءتها ⁵




شكل (١٠)
 نوافذ سمائية في الفراغات والأفنية المختلفة ⁵




شكل (١١)
درجات تباين الضوء والظل في الفراغات المختلفة بالمتحف ⁵


٦-الحنايا الضوئية 
(Light Niches)

تُشكَّل الحنايا كفراغات غائرة تحتضن الضوء وتُبرز المنحوتات بهدوء، حيث يتدرّج النور من الظل إلى الإنارة دون توهّج مباشرحيث تنشأ الشعرية من هذا التباين الناعم، الذي يمنح الكتلة نُطقها البصري ويكشف تفاصيلها وملمسها داخل إطار مظلّل يعمل فيه الضوء غير المباشر داخل الحنية على تعزيز الإحساس بالعمق والبُعد الثالث، ليصبح عنصرًا نحاتًا يعيد صياغة حضور المنحوتة 
 في متحف جيبسوتيكا أنطونيو كانوفا في ايطاليا والذي تم تصميمه من قبل المعماري كارلو سكاربا (Carlo Scarpa) وضع سكاربا بعض التماثيل داخل تجاويف بسيطة أو أمام جدران تعمل كخلفيات حاضنة، حيث يصبح الفراغ نفسه "حنية ضوئية" تحتضن العمل الفني(شكل١٢).



شكل (١٢)
 حنايا ضوئية حاضنة للأعمال الفنية ⁶



مقارنة بين استراتيجيات الضوء المختلفة


شكل(١٣)
 مقارنة بين استراتيجيات الضوء المختلفة.



متحف حبيب جورجي

مقطع يعرف المتحف ويوضح الإضاءة داخل فراغات المتحف


نبذة عن المتحف

يقع متحف حبيب جورجي بقرية الحرّانية بمحافظة الجيزة، ويُعد أحد العناصر الأساسية ضمن مجمع مركز رمسيس ويصا واصف للفنون. شُيّد المتحف خلال الفترة من عام ١٩٦٧ إلى عام ١٩٧٢، وقد قام بتصميمه والإشراف على تنفيذه المعماري رمسيس ويصا واصف، في إطار رؤيته المعمارية المرتبطة بالهوية المحلية والعمارة الإنسانية واستخدم الطين في انتاج عمارة متوافقة مع البيئة وعلي الانسان.

اعتمد ويصا واصف في تصميم المتحف على الطراز الشعبي المصري، مستخدمًا مواد بناء محلية في مقدمتها الطوب اللبن والطين، إلى جانب تقنيات بناء تقليدية. ولم يكن هذا الاختيار عشوائيًا، بل جاء انعكاسًا لفلسفة معمارية تؤمن بإحياء الهوية المحلية وتعزيز العلاقة الحسية بين الإنسان والمكان؛ حيث يساهم الملمس الطبيعي للطين، ولونه، وقدرته على التقادم مع الزمن في خلق فراغ حي ومتغير، يمنح الزائر إحساسًا وجدانيًا بالانتماء بعيدًا عن الطابع الصناعي الجامد.


يتسم المبنى بتكويناته العضوية التي تعتمد على القباب والقبوات القوسية الكبيرة ذات الارتفاعات المتدرجة، إلى جانب معالجة داخلية دقيقة للضوء الطبيعي من خلال فتحات عرضية وفتحات دائرية بالسقف، تسمح بدخول الإضاءة بشكل مدروس يبرز المعروضات الفنية دون الإخلال بجودة الفراغ الداخلي.


جاء إنشاء المتحف ليكون فضاءً أصيلًا لعرض أعمال تلاميذ الفنان حبيب جورجي، حيث يضم أكثر من ٣٠٠ عمل فني من المنحوتات. ويجسد المبنى تكاملًا واضحًا بين العمارة الحرفية والهوية الثقافية المحلية، الأمر الذي جعله جزءًا من مجمع فني حظي باعتراف دولي والتي من أبرز مظاهرها حصوله على جائزة الآغا خان للعمارة.



شكل(١٤)
 تجسيد العمارة الطينية حلقة وصل بين الانسان والمكان من خلال فراغات عضوية واضاءة طبيعية مدروسة¹⁰


فراغات متحف حبيب جورجي 

 تم تقسيم المتحف الي خمس مجموعات كما في الشكل(١٥) تبعا للأستراتيجيات المستخدمة 
المجموعة الاولى : الفناء الخارجي و الفناء الداخلي 
المجموعة الثانية : ممرات حركة
المجموعة الثالثة : القاعة المطلة على الفناء
المجموعة الرابعة : قاعة عرض
المجموعة الخامسة : القاعة المظلمة

شكل (١٥)
المسقط الافقي لمتحف حبيب جورجي⁷

حيث ان الترمبز اللوني للفراغات كالتالي:




المجموعة الاولى :
استخدام ضوء مباشر قوي مع استخدام استراتيجية الحنايا الضوئية عن طريق تظليل جزئي للمعروضات كما في الشكل (١٦) و الشكل (١٧) مما لخلق بيئة مريحة ومناسبة للعرض وللحفاظ علي المعروضات من التلف


شكل(١٦)
استخدام الحنايا الضوئية مع تظليل جزئي للمعروضات⁷




شكل(١٧) 
معالجة الضوء لحماية المعروضات ⁷












المجموعة الثانية:
استخدام نظرية التناقض الضوئي باستخدام ضوء طبيعي غير مباشر عن طريق الفتحات الجانبية والتحكم في الضوء هنا اقل و تعمل الفراغات لتهيئة الزائر تدريجيا 

شكل (١٨)
ممر متصل بالفناء الداخلي⁷

شكل(١٩) 
ممر متصل بالفناء الخارجي⁷

المجموعة الثالثة:

استخدام استراتيجية نوافذ السماء و التناقض الضوئي عن طريق عمل فتحات علوية كما في الشكل (٢٠) و ايضا فتحات في الجدران المطلة علي الفناء كما في الشكل (٢١) مما يسمح بدخول الضوء 



شكل(٢٠)
القاعة المطلة على الفناء⁷

شكل (٢١)
القاعة المطلة على الفناء⁷

المجموعة الرابعة:
استخدام إضاءة موجهة من خلال فتحات علوية تسمح بدخول الضوء بزاوية محددة كما في الشكل (٢٢) 


شكل (٢٢)
قاعة العرض ⁹.


المجموعة الخامسة:
استخدام  فتحات  لصنع اضاءة مركزة فقط علي المعروضات تعمل كـ (spot lighting)مما يجعل تركيز الزائر علي المعروضات فقط 

شكل(٢٣)
القاعة المظلمة⁹

شكل(٢٤)
القاعة المظلمة⁹.

تدرج شدة الاضاءة في المتحف

تم تقسيم الفراغات لمجموعات ( من ٧ فراغات كما في الشكل (٢٦) الى ٥ مجموعات كما في الشكل (١٥) )
من حيث التشابه في تدرج شدة الاضاءة في كل مجموعة .

شكل(٢٥)
المسقط الافقي لمتحف حبيب جورجي⁹

توجيه الضوء لحركة الزائر: 

 يتيح المتحف للزوار مسارين للحركة يبدأ الزائر حركته خلالهما من نفس النقطة و يعود اليها مرة اخرى في نهاية كليهما .
 يمر الزوار خلال مسارهم بفراغات مختلفة في شدة الاضاءة، في المسار الاول يبدأ الزائر حركته بالفراغات الخارجية الاكبر في شدة الضوء ثم يمر بالفراغات الداخلية الاقل في الاضاءة


تدرج شدة الاضاءة اثناء المسار الاول :
تتغير شدة الضوء عند الانتقال بين الفراغات بشكل تذبذبي منتظم في بداية المسار ثم تتغير بشكل غير منتظم حيث يتم الانتقال من الاضاءة العالية في الافنية الى الاضاءة الخافتة في قاعات العرض

يعتمد هذا المسار على التوجيه الفطري للحركة حيث ينجذب الانسان تلقائيا نحو الاضاءة العالية ف يتجه نحو الممرات و الافنية اولا 
يؤثر هذا التغير في الاضاءة على تجربة الزائر من حيث خلق تجربة اسكتشافية و جعل الزائر في حالة من التأهب و الفضول لتتابع الضوء و استكشاف القاعات



شكل(٢٦) المسار الاول في المتحف⁹


 

شكل(٢٧).


شكل(٢٨)
 يوضح تتباع حركة الزوار في المسار الأول⁹ 


تدرج شدة الاضاءة اثناء المسار الثاني : 

في المسار الثاني يبدأ الزائر حركته بالفراغات الداخلية الاقل اضاءة 
ثم الفراغات الخارجية الاكثر اضاءة ، تخلق هذه التجربة شعورا مميزا من خلال تتابع الضوء بين الفراغات لتوجيه الزوار.
تتغير الاضاءة عند الانتقال بين الفراغات بشكل تذبذبي غير منتظم كما بالشكل (٤٨).
 يعتمد اختيار المسار التاني على خلق شعور الفضول و التشويق لاستكشاف الفراغات المظلمة اولا 
تغير الاضاءة خلال الفراغات الداخلية يكسر الملل و يجذب الزائر لتتابع المسار  .
يمنح التغيير المستمر للاضاءة راحة مؤقت للعين عند الانتقال بين الظل و الضوء مما يجدد نشاط الزائر لاستكمال المسار. 


شكل(٢٩) المسار الثاني في المتحف⁹.


(


شكل(٣٠).

شكل(٣١)
يوضح تتابع حركة الزوار في المسار الثاني ⁹



مناقشة ختامية

يُظهر هذا المقال أن الضوء في الفضاء المتحفي لم يعد عنصرًا تقنيًا تابعًا للعمارة أو للعرض، بل أصبح وسيطًا تعبيريًا مستقلًا يحمل قيمة جمالية وسردية عالية. فشاعرية الضوء تنبع من قدرته على إعادة تشكيل الفراغ، وتوجيه الإدراك الحسي، وبناء علاقة وجدانية بين الزائر والمعروضات، وذلك من خلال التحكم الدقيق في شدته، واتجاهه، ودرجة فلترته، وتفاعله مع المادة والزمن.
ومن خلال دراسة استراتيجيات تشكيل الضوء المختلفة، مثل فلترة الضوء، وستائر الضوء، وأرفف الضوء، والتباين بين النور والظل، والنوافذ السماوية، يتضح أن لكل استراتيجية تأثيرًا خاصًا في صياغة التجربة المكانية، وفي إبراز المعروضات دون طغيان بصري. وتؤكد النماذج المتحفية المدروسة أن الضوء حين يُوظف كشريك في التصميم، فإنه يعزز البعد الشعوري للتجربة، ويمنح الفضاء طابعًا حيًا ومتغيرًا. 
أما في متحف حبيب جورجي، فيتجلى هذا الدور الشاعري للضوء بوضوح من خلال تفاعله مع العمارة الطينية والكتل المنحنية والفتحات المدروسة، حيث يتحول الضوء الطبيعي إلى أداة لكشف الملمس وقراءة المادة وإحياء تفاصيل الصنعة واليد الإنسانية. ويتفرّد المتحف في مقاربته للضوء عبر توظيف الطين كمادة معمارية رئيسية تُسهم في صياغة التجربة الضوئية ذاتها؛ فالمادة الطينية تتحول إلى خلفية بصرية معتمة تحتضن الضوء ولا تنافسه، وبدلًا من أن يعمل الضوء على إبراز الطين، يعمل الطين على احتواء الضوء وامتصاصه، مما يخلق فراغات يغلب عليها الظل ويجعل لحظات الإضاءة المحدودة أكثر كثافة وتأثيرًا. ويسهم هذا الاختيار المادي في إبراز الضوء ذاته كعنصر نحتي غير مادي، يظهر في هيئة بقع ومسارات محددة تخترق العتمة، فتتحول الإضاءة إلى حدث بصري متعمّد. ونتيجة لذلك، تتشكل علاقة شاعرية خاصة بين الضوء والفراغ، تقوم على التباين الحاد بين العتمة والإنارة، بما يوجّه انتباه الزائر نحو المعروضات ويُكثّف من تجربة التأمل والهدوء داخل المتحف. بهذا المعنى، لا يصبح الطين مجرد مادة بناء تقليدية، بل وسيطًا صامتًا يهيئ المسرح للضوء ويمنحه القدرة على الظهور بقوة ووضوح داخل الفضاء المتحفي.
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن شاعرية الضوء تمثل أحد المفاتيح الأساسية لفهم وتطوير العرض المتحفي المعاصر، باعتبارها عنصرًا يتجاوز الإضاءة الوظيفية ليصبح لغة تصميمية قادرة على التعبير، والسرد، وإثارة المشاعر. ويُبرز متحف حبيب جورجي نموذجًا متفردًا في توظيف الضوء الطبيعي بوصفه مادة معمارية حسية تتكامل مع الطين والفراغ لتكوين تجربة متحفية أصيلة ومتجذرة في السياق الثقافي والإنساني للمكان.

ويؤكد هذا المقال أهمية إعادة النظر في دور الضوء داخل المتاحف، ليس فقط كوسيلة لعرض الأعمال، بل كعنصر فاعل في تشكيل الذاكرة المكانية، وتعميق علاقة الزائر بالمعروض، وخلق تجربة متحفية تتسم بالهدوء، والتدرج، والشاعرية. ومن هنا، يفتح البحث آفاقًا مستقبلية لتوظيف الضوء كمنحوتة غير مرئية تُسهم في بناء فراغات متحفية أكثر إنسانية وثراءً حسيًا.


المراجع 


[١] ArtRatio. (n.d.). *Natural light in muse galleries and fragile art*. ArtRatio.
[https://www.artratio.co.uk/natural-light-in-museums/](https://www.artratio.co.uk/natural-light-in-museums/)

[٢] Feller, R. (2000). A proposal to reduce the exposure to light of museum objects without reducing illuminance or the level of visual satisfaction of museum visitors. *Journal of the American Institute for Conservation, 39*(2), 123–137.
[https://cool.culturalheritage.org/jaic/articles/jaic39-02-004.html](https://cool.culturalheritage.org/jaic/articles/jaic39-02-004.html)

[٣]  LEDYi Lighting. (n.d.). *الدليل النهائي لإضاءة المتحف (Museum lighting guide)*.
[https://www.ledyilighting.com/ar/a-definitive-guide-to-museum-lighting/](https://www.ledyilighting.com/ar/a-definitive-guide-to-museum-lighting/)

[٤]
 باحث ماجستير، و أ.د. قسم الآثار الإسلامية، جامعة القاهرة. (2021). أدوات الإضاءة في القرن التاسع عشر دراسة أثرية فنية في ضوء نماذج مختارة محفوظة بمتحف قصر عابدين بالقاهرة. *مجلة العمارة والفنون والعلوم الإنسانية، 6*(25)، 598–618.
[https://journals.ekb.eg/article_128573.html](https://journals.ekb.eg/article_128573.html)

[٥] Wainwright, O. (2018). *Louvre Abu Dhabi Shape of Arabesques*. Arquitectura Viva.
[https://arquitecturaviva.com/works/louvre-abu-dhabi-museum](https://arquitecturaviva.com/works/louvre-abu-dhabi-museum)

[٦] Zeballos, C. (2012). *Jean Nouvel Louvre Museum Abu Dhabi*. My Architectural Moleskine.
[https://architecturalmoleskine.blogspot.com/2012/10/jean-nouvel-louvre-museum-abu-dhabi.html](https://architecturalmoleskine.blogspot.com/2012/10/jean-nouvel-louvre-museum-abu-dhabi.html)

[٧] Bianchini, R. (n.d.). *KIASMA Museum of Contemporary Art Helsinki Steven Holl*. Inexhibit.
[https://www.inexhibit.com/mymuseum/kiasma-museum-contemporary-art-helsinki/](https://www.inexhibit.com/mymuseum/kiasma-museum-contemporary-art-helsinki/)

[٨] ArchEyes Team. (2025). *Chichu Art Museum by Tadao Ando Light and space*. ArchEyes.
[https://archeyes.com/chichu-art-museum-by-tadao-ando-light-and-space/](https://archeyes.com/chichu-art-museum-by-tadao-ando-light-and-space/)

[٩] ArchDaily. (n.d.). *Habib Gorgi Museum of Ceramics*. ArchDaily.
[https://www.archdaily.com](https://www.archdaily.com)

[١٠] El-Waly, T. (2015). Architecture between the  tangible and the intangible. Cairo: Dar Al-Shorouk.



















Comments

Popular posts from this blog

استكشاف بيئات التعلم الإبداعي في القاهرة Creative Learning Environments

مجموعة رقم 1_انسجام الطبيعة والشكل الهندسي: رحلة حياة نحو فراغات محفزة على الإبداع

مجموعة رقم 7_ما وراء العرض استكشاف الجوانب المتعددة لتصميم متحف جمال عبد الناصر وإعادة تأهيله